ثيمة ٢٠١٦

قلنديا الدولي 2016: هذا البحر لي

تمثل مفردة "العودة"، للفلسطيني، معادلاً نقيضاً لمصطلح النكبة، وكأنها الترياق الشافي لكل سموم تلك المأساة وتداعياتها التراجيدية، التي تواصل توالدها وتشظيها كل يوم.

وفي الوقت الذي اتّخذت فيه مفردة "النكبة" تفسيراً معجمياً جامداً في القواميس والمعاجم السياسية، يتمثل في تهجير نحو 750 ألف فلسطيني في العام 1948 من مدنهم وقراهم وبيوتهم، وتدمير مئات القرى على أيدي العصابات الصهيونية، استكمالاً لمشروع إقامة دولة إسرائيل، فإن موضوع العودة، الذي لطالما مَثّلَ للفلسطيني الحق الأكثر بداهة، وأحد أضلاع الثالوث المقدس لأحلامه ومطالبه الوطنية، إلى جانب تقرير المصير، وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، استكان في وقتنا الحاضر إلى مجرد شعار جامد أيضاً، أُفرغ من كثيرٍ من معانيه وصلاته بالواقع وبالمشروع الوطني، وغدا تداوله مقتصراً على خطاباتٍ رنانةٍ يُلقيها قادةٌ سياسيون للاستهلاك المحلي.

أما شعبياً، فغالباً ما يجري اختزال مشروع العودة إلى مستويات مجازية ورمزية، تتَّخذ، في الكثير من الأحيان، تمثيلاتٍ مسطحةً وأُحاديةَ المعنى، مثل: المفتاح، وكرت الإعاشة، أو الخارطة، وغيرها، يكون حضورها جلياً في المناسبات والمهرجانات الوطنية الكبرى، لاسيما يوم إحياء ذكرى النكبة في 15 أيار من كل عام، بما ينتج عن تلك المناسبة بالذات من مواد بصرية وبروباجاندا سياسية تتم إزالتها في اليوم التالي.

وفي ظل انفجار العنف وتجلياته في المنطقة العربية والعالم، وبخاصة في السنوات الأخيرة، وما يخلّفه ذلك من مآسٍ إنسانيةٍ جديدةٍ وأعمال تهجير وهجرات بشرية كبرى، فإن ذلك من شأنه أن يُزيح بقايا شعاع الضوء القليل المسلَّط على قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى قضايا تبدو أكثر إلحاحيةً وسخونة. وللمفارقة، فإنه، وبسبب تلك الأحداث بالذات، أخذت تجليات النكبة الأُم تمسي، مؤخراً، أكثر قسوةً وبشاعةً مما بدت عليه خلال عقودٍ مضت. ولعل تلك الصورة القيامية لسكان مخيم اليرموك وهم ينتظرون، وسط الخراب، حصصهم من المساعدات الإغاثية بعد أشهر من الحصار والجوع، ما هي إلا تجلٍّ جديد من تجليات النكبة الأولى دائمة الحضور والتحول، التي يظل كثيرٌ منها خفياً وبعيداً عن أنظار الإعلام أو اهتمامه. ولا يمكن أن لا نرى فيما نسمعه ونشاهده كل يوم من حوادث غرق للمهجَّرين في عرض المتوسط، ضمن موجة الهجرات المتدفقة إلى أوروبا من بلدان النزاع، لاسيما سوريا، شكلاً من أشكال إعادة إنتاج المأساة الفلسطينية، بتداعياتها وأسئلتها الكبرى.

وفي هذا السياق القاسي، الذي ينحسر فيه الأمل، وتتهاوى فيه كثير من الأحلام الجَمعية، وتكاد تغيب فيه المشاريع التنويرية، ويخفت فيه صوت المثقفين والمبدعين، وتتراجع الحِراكات الشعبية لصالح صراعات سياسية وأيديولوجية ضيقة ومتناحرة وإقصائية، يطرح قلنديا الدولي، في نسخته الثالثة، سؤال "العودة"؛ على اعتبار أن ما يجري حولنا الآن يجعل منه موضوعاً أكثر إلحاحية من أي وقت مضى، بهدف إثارة النقاش حول مفهوم العودة، وموقعه، ومعناه، على مستويات متعددة: سياسية، وثقافية، وإنسانية، وتناوله من زوايا جديدة وطازجة، بمساهمات جادة وجديدة من مبدعين وفنانين من فلسطين والعالم، إلى جانب الناس، أصحابِ هذه القضية وهذا الحق.

لماذا ”هذا البحر لي“؟

في محاولةٍ لاقتراح مدخلٍ مغاير، ولنفض الغبار عن الطريقة التي جرى فيها تصوير النكبة، وبالتالي تخيُّل العودة، يتَّخذ قلنديا الدولي "هذا البحر لي" شعاراً له في دورته هذه؛ لأن من شأن البحر، الذي كان قد سقط سهواً من فصول الرواية وأجندات الساسة، وغدا جداراً جديداً للحصار، أو مصيدةً مميتةً للهاربين من الموت، أن يأخذ سؤال الحق من ممكنات السياسة إلى مربع البداهة، وأن يُعيد موقَعة فلسطين والفلسطيني في مكانهما الحقيقي في التاريخ والجغرافيا، ويعيد صلتهما العضوية مع الأُفق والعالم.